السيد كمال الحيدري

57

المذهب الذاتي في نظرية المعرفة

يشتدّ في الشتاء ، والمطر يهطل ) أم تكتفي بأن يكون للقضية معطيات حسّية ولو بصورة غير مباشرة . فإن كانت الوضعية تلغي كلّ قضية ما لم يكن مدلولها معطىً حسّياً وظرفاً واقعياً يخضع للتجربة فهي بذلك لا تسقط القضايا الفلسفية فحسب ، بل تشجب أيضاً أكثر القضايا العلمية التي لا تعبّر عن معطىً حسّي وإنما تعبّر عن قانون مستنتج من المعطيات الحسّية كقانون الجاذبية . فنحن نحسّ بسقوط القلم عن الطاولة إلى الأرض ولا نحسّ بجاذبية الأرض ؛ فسقوط القلم معطى حسّي مرتبط بالمضمون العلمي لقانون الجاذبية وليس للقانون عطاء حسّي مباشر . وأما إذا اكتفت الوضعية بالمعطى الحسّي غير المباشر ، فالقضايا الفلسفية لها معطيات حسّية غير مباشرة ، كعدّة من القضايا العلمية تماماً ، أي توجد هناك معطيات حسّية وظروف واقعية ترتبط بالقضية الفلسفية ، فإن صحّت كانت القضية صادقة وإلا فهي كاذبة . مثلًا : القضية الفلسفية القائلة بوجود علّة أولى للعالم ، فإن محتوى هذه القضية وإن لم يكن له عطاء حسّي مباشر ، غير أنّ الفيلسوف يمكنه أن يصل إليه عن طريق المعطيات الحسّية التي لا يمكن تفسيرها عقلياً إلا عن طريق العلّة الأولى . ثم : ماذا يقول المنطق الوضعي عن القضايا التي تتّصل بعالم الطبيعة التي لا يملك الإنسان القدرة على التثبّت من صوابها أو خطئها بالتجربة ، مع أننا نعلم جميعاً أن العلم كثيراً ما يطرح قضايا من هذا القبيل على صعيد البحث قبل أن يملك التجربة الحاسمة بصددها ويظلّ يبحث عن ضوء ليسلّطه عليها حتى يجده في نهاية المطاف أو يعجز عن الظفر به ، فلماذا كلّ هذا الجهد العلمي لو كانت كلّ قضية لا تحمل بيدها دليل